الرئيسية » إسلاميات » سبب الفتنة ، مقتل عثمان ، مقتل علي ، مقتل الحسن والحسين ..القصة كامله

سبب الفتنة ، مقتل عثمان ، مقتل علي ، مقتل الحسن والحسين ..القصة كامله

سبب الفتنة ، مقتل عثمان ، مقتل علي ، مقتل الحسن والحسين ..القصة كامله

بداية “الفتنة”

خرجت مجموعة من رعاع أهل مصر وأقطار أخرى على عثمان ذو النورين رضي الله عنه يريدون خلعه بحجج واهية منها:

أنه أعطى الأراضي والولايات لأقاربه من بني امية وهم ليسوا الأجدر!!
وأنه إبتدع في جمع القرآن في مصحف!!
وأنه أعاد الحكم ومروان بن الحكم للمدينة وقد نفاهم النبي!!
وحجج واهية اخرى

جاء هؤلاء إلى المدينة المنورة وواجهوا عثمان (رضي الله عنه) بهذه التهم, و قابلهم هو بالحجج وأوضح موقفه فتظاهروا بالطاعة والرجوع إلى بلادهم, ثم عادوا وحاصروا دارعثمان رضي الله عنه وهم حوالي ألفي مقاتل.

في صباح يوم الجمعة 18 من ذي الحجة سنة 35 هـ، حاول بعض الصحابة إقناع عثمان (رضي الله عنه) بالخروج إلى فناء البيت ليرى الناس وجهه، فإن فعل ذلك إرتدعوا. وذلك لهيبته رضي الله عنه

فرفض عثمان رضي الله عنه قائلا: رأيت البارحة، وكأني دخلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر، وعمر فقال: ارجع، فإنك مفطر عندي غدًا. ثم قال عثمان رضي الله عنه: ولن تغيب الشمس هذا اليوم، والله إلا وأنا من أهل الآخرة.

بدأت أخبار الحصار تصل لولاة عثمان رضي الله عنه, فخرجت الجيوش ناحية المدينة للدفاع عنه ولكن قبل أن تصل, كانت قد ظهرت في هذا اليوم بوادر العدوان من الخوارج

فبداوا بإلقاء السهام على بيت عثمان (رضي الله عنه) فدخل عليه أبناء الصحابة وطلبوا منه أن يسمح لهم بالدفاع عنه، فأقسم عثمان رضي الله عنه على كل من له عليه حق أن يكفّ يده, وان من يرفع السلاح فهو ليس منه

وتذكر عثمان ذو النورين (رضي الله عنه) قول النبي له: «إِنْ كَسَاكَ اللَّهُ ثَوْبًا فَأَرَادَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَهُ فَلا تَخْلَعْهُ» فزاده ذلك ثباتا, والثوب هنا المقصود به الخلافة

دخل الخوارج بيت عثمان بن عفان ذو النورين وصاحب رسول الله, وهو صائم يقرأ القرآن, ضربه أحدهم بالسيف على يده فقطع يده، فقال عثمان: بسم الله توكلت على الله. ثم قال: سبحان الله العظيم. وتقاطر الدم على المصحف

بعد ذلك حمل عليه أحدهم وضربه بعمود على رأسه، فخرّ رضي الله عنه على جنبه، وهمّ الملاعين بالسيف ليضربوه في صدره، فانطلقت السيدة نائلة بنت الفرافصة تدافع عن زوجها، ووضعت يدها لتحمى زوجها من السيف فقُطعت بعض أصابعها بجزء من كفها، ووقعت السيدة نائلة رضي الله عنها.

وطعن عثمانَ رضي الله عنه في صدره وفي بطنه فمال رضي الله عنه إلى الأرض فقفز أحدهم على بطنه، واتّكأ على السيف بجسده ليتأكد من اختراق السيف لجسد عثمان رضي الله عنه
ومات رضي الله عنه وأرضاه بعد هذه الضربة, ولا نريد ان نزيد في هذا الأمر الذي يدمي القلب

ويذكر أن كثيرا من ابناء الصحابة كالحسن والحسين وعبدالله بن الزبير ومحمد بن طلحة وآخرون كمروان بن الحكم دافعوا عن عثمان حتى أثخنتهم الجراح ولكن دون فائدة

بعد أن قتل هؤلاء الخوارج المجرمون عثمان رضي الله عنه أخذوا ينهبون ما في بيته ويقولون: إذا كان قد أُحلّ لنا دمه أفلا يحل لنا ماله؟ وهاجموا بيت مال المسلمين وسرقوا الأموال

بعد دفن عثمان رضي الله عنه أرسلت زوجته نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان والي الشام بكتاب مرفق معه قميص عثمان ممزقًا مليئًا بالدماء, وعقدت في زر القميص خصلة من شعر لحيته، قطعها أحد قاتليه من ذقنه، وخمسة أصابع من أصابعها المقطوعة.

لما وصلت هذه الأشياء إلى معاوية رضي الله عنه علّقها على المنبر في المسجد، وبكى وأقسم أن ينتقم، وأن يثأر له … و اجتمع خمسون ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وأصابعها عازمين جميعهم على الأخذ بالثأر من قتلة عثمان

بعد إستشهاد الخليفة عثمان رضي الله عنه سارع الصحابةُ إلى علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وقالوا له: أنت أحق الناس بهذا الأمر فامدد يدك نبايعك. وكان علي رضي الله عنه كارها للخلافة في البداية واقترح أن يكون وزيرا أو مستشارا إلا أن بعض الصحابة حاولوا إقناعه. ووافق في النهاية.

في ذلك الوقت كانت رسالة السيدة نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنه قد وصلت إلى معاوية في الشام، حيث أرسلت له القميص الذي قُتل فيه عثمان رضي الله عنه وعليه دماؤه، وأصابعها، وكفها التي قُطعت، وهي تدافع عن زوجها .. ولما وصلت هذه الأشياء إلى معاوية رضي الله عنه علّقها على المنبر في المسجد، وبكى وأقسم أن ينتقم، وأن يثأر له … و اجتمع خمسون ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وأصابعها عازمين جميعهم على الأخذ بالثأر من قتلة عثمان……

ووصلت الأخبار إلى الصحابة وأمهات المؤمنين في مكة…..

فانقسم الصحابة إلى أربع فرق:

1- الفريق الأول: فريق الخليفة علي بن ابي طالب (رضي الله عنه): ويري تأجيل تنفيذ القصاص من قتلة عثمان حتى تستقر الأمور في المدينة.

حيث خاف الخليفة على (رضي الله عنه) أن تتفكك الدولة الإسلامية ويصبح كل أمير على مصر من الأمصار، وتبدأ الثورات والإنقسامات, فرأى أن يصبر إلى أن تدين له كل أطراف الدولة الإسلامية، ويستقر الحكم، وتهدأ الفتن، ثم يعاقب كلًا بما يستحق.

2- الفريق الثاني وهو الذي بايع عليا رضي الله عنه, ورأي أنه يجب القصاص السريع من قتلة عثمان رضي الله, ويضم السيدة عائشة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وجماعة من الصحابة.

3- الفريق الثالث: فريق معاوية بن أبي سفيان والي الشام وولي دم عثمان، والذي رأى أن لا يبايع قبل الثأر لعثمان رضي الله عنه, وكان فيهم الكثير من الصحابة، كأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن العاص وغيرهم رضي الله عنهم.

4- الفريق الرابع: إعتزل الجميع, كسعد بن أبي وقاص, وعبدالله بن عباس والكثير (رضي الله عنهم).

أما الخوارج الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه, فأنهم قد تفرقوا وقد إختلط الكثير منهم بجيش علي (رضي الله عنه)

وكان قادتهم ورؤوسهم، هم الغافقي بن حرب المصري وكان أميرهم، وابن السوداء عبدالله بن سبأ, وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وحكيم بن جبلة البصري، ومالك بن الحارث….

أقر علي رضي الله عنه عثمان بن حنيف أميرًا على البصرة, وعلى مصر قيس بن سعد، وأبا موسى الأشعري على إمارة الكوفة.
أما ولاة عثمان رضي الله عنه, فمنهم من عاد إلى مكة, ومنهم من ذهب إلى معاوية في الشام.

ولم يبقى غير الشام, فقد أرسل علي رضي الله عنه ثلاث رسائل إلى معاوية بن أبي سفيان يطالبه فيها بمبايعته، ولكن معاوية رد عليه قائلا: “دم عثمان قبل المبايعة. تأخذه أنت، وإن لم تستطع أخذناه نحن.”

رفض ذلك علي رضي الله عنه، فقد دانت له جميع الأمصار, إلا الشام وإعتبر أن معاوية خارجٌ عن الولاية، ومن خرج يُقاتَل بمن أطاع.
فقرر رضي الله عنه أن يجمع الجيوش، ويتوجه بها إلى الشام، وإن لم يبايع معاوية رضي الله عنه يُقاتَل، ورأى أن هذا الاجتهاد هو الصحيح في مثل هذه الموقف.

وبينما علي رضي الله عنه خارج بجيشه من المدينة متوجهًا إلى الشام حدث في مكة أمر لم يكن متوقعًا فغيّر علي رضي الله عنه من خطته بالكلية.
وهو خروج السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم جميعًا، وجمع كبير من الصحابة (جميعهم قد بايعوا علي رضي الله عنه) ولكنهم رأوا أن هناك أولوية لأخذ الثأر لعثمان رضي الله عنه، وأنه لا يصح أن يؤجل هذا الأمر بأي حال من الأحوال, وقد أتجهوا إلى “الكوفة”, العاصمة الجديدة التي إنتقل إليها الخليفة علي (رضي الله عنه).

فتوجه علي (رضي الله عنه) بالجيش ليستقبلهم في البصرة…….

خرجت أم المؤمنين عائشة ومعها جمع من الصحابة (وجميعهم كانوا ممن بايع علي بن أبي طالب رضي الله عنه) كخليفة, ولكنهم رأوا أن القصاص من قتلة عثمان لابد أن يكون سريعا, وكان عددهم عند خروجهم من مكة تسعمائة، ثم بلغ عددهم بعد قليل ثلاثة آلاف في طريقهم إلى البصرة، واشتروا للسيدة عائشة رضي الله عنها جملاً، وركبت في الهودج فوق الجمل، وانطلقوا نحو البصرة.

وفي الطريق مر الجمع في مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب ، فنبحتهم كلاب عنده فلما سمعت ذلك عائشة قالت : ما اسم هذا المكان ؟ قالوا : الحوأب فضربت بإحدى يديها على الأخرى وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ما أظنني إلا راجعة ، قالوا : ولم ؟ قالت : سمعت رسول الله يقول لنسائه : ” ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب ” ، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ، وقالت : ردوني ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب

فجاء الناس وحلفوا لها أن هذا ليس ماء الحوأب وقد كذبوا, وأخبروها أنه لن يحدث شئ, وأنها ماخرجت إلا للإصلاح

وصلت أم المؤمنين ومن معها إلى البصرة, وعندما عَلِم عثمان بن حنيف عامل علي (رضي الله عنه) على البصرة بخروج السيدة عائشة ومعها طلحة والزبير وجمع من الصحابة إلى البصرة، أرسل يسألها عن سبب خروجها. فقالت: (إن الغوغاء من أهل الأمصار، ونُزّاع القبائل (قتلة عثمان)، غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة وبلا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم، ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين، ولا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا)

وكان على (رضي الله عنه) قد خرج بجيشه لمقابلة معاوية ومن معه في الشام, الذين رفضوا ان يبايعوا قبل الأخذ بثأر عثمان, ولكن عندما وصله خبر وصول أم المؤمنين وجمع من الصحابة إلى البصرة غير وجهته إلى البصرة

لما وصل علي البصرة، بعث القعقاع رسولاً إلى أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير يدعوهما إلى الألفة والجماعة ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف.. فذهب القعقاع فبدأ بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقال: أي أماه ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس. فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها فحضرا فقال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن والله ما جئنا إلا لذلك”. فقال القعقاع: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فقال طلحة: بقتل علي قتلة عثمان، فإن ترك علي هذا الأمر يكون علي قد ترك القرآن (أي الحد).

فأخبرهم القعقاع أن الخليفة علي (رضي الله عنهحريص على الإصلاح بين الناس إلا أن اجتهاده أداه إلى التروي والتسكين حتى تستقر الأمور ، ثمَّ ينظر بعد ذلك في شأن القصاص من قتلة عثمان, فوافقوه على ذلك

فرجع إلى عليٍّ، فأخبره فأعجبه ذلك، واتفق القوم على الصلح، وكره ذلك مَنْ كرهه، ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى عليٍّ تُعلمه، أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام عليٌّ في الناس خطيبًا، فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة.

ولكن قتلة عثمان السبئية باتوا في هم شديد وكرهوا أن يتم الصلح وأجمعوا أن يثيروا الحرب بين الطرفين، فاندسوا ليلاً في الصفوف وقسموا انفسهم إلى فرق ودخلوا إلى معسكرات طلحة وعلي، وهجموا على الناس بسيوفهم في كلا المعسكرين، فظن كلا الطرفين أن الطرف الآخر قد غدر به.. ونشب القتال.. وكان علي يقول في المعركة: ( ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة ).. ووقفت أم المؤمنين عائشة تبكي وهي ترى المسلمين القتلى في كل مكان، وطلحة والزبير يحاولان إيقاف الناس، وكان طلحة ينادي وهو على دابته وقد غشيه الناس فيقول: يا أيها الناس أتنصتون؟ فجعلوا يركبونه ولا ينصتون، فما زاد أن قال: أف أف فراش نار وذبان طمع.. ولم يتوقف القتال إلا بعد شروق الشمس.. وقال علي بعد هذه المأساة: ( اللهم إني أشهدك إني ما أردت هذا )..

واستشهد طلحة والزبير يوم الجمل، ومر علي على طلحة ورآه مقتولا فقال: ( عزيزٌ عليَّ أبا محمد أراك مجندلاً في التراب تحت نجوم السماء). وبكى.. ولما جاء قاتل الزبير يحمل سيف الزبير وأراد أن يدخل به على علي ظاناً أن علي سيفرح لذلك، أمسك علي السيف وبكى وقال: ( لطالما فرّج الزبير بهذا السيف الكرب عن رسول الله) وقال: ( بشِّر قاتل ابن صفية بالنار). -وابن صفية هو الزبير – ولم يأذن له أن يدخل عليه.. وصلّى علي على قتلى الطرفين..

وندمت عائشة رضي الله عنها على خروجها إلى البصرة وكانت بعد هذا كلما قرأت قوله تعالى: ” وقرن في بيوتكن ” تبكي حتى يبتل خمارها. وكانت كلما تذكرت موقعة الجمل تقول: (وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي وما سرت مسيري هذا).. وبعد انتهاء القتال اقترب علي من هودج عائشة ليطمئن عليها..وقد أخبره النبي بهذا الموقف، كما في الحديث: أن النبي نظر يوما إلى عائشة وعلي وابتسم، وقال لعلي:” لعله يكون يوما بينك وبينها أمر”، فقال علي: أنا يا رسول الله، إني والله لأشقاهم..فقال الرسول: “لا ولكن إن وقع هذا فأحسن إليها”.. فذهب علي إليها وقال: كيف حالك يا أماه؟!.. قالت: بخير.. فقال لها: غفر الله لكِ.. قالت: ولك.. ثم زودها بما تحتاج إليه وأرسل معها أخيها محمد بن أبي بكر في طريق عودتها من البصرة إلى مكة ومن ثم إلى المدينة..ومن ذلك اليوم لم تغادر بيتها أبداً

عندما استلم علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) الحكم، امتنع معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام عن مبايعته خليفة للمسلمين حتى يقتص من قتلة عثمان (رضي الله عنه)، ولكن علياً أصرّ على المبايعة أولاً ثم القصاص من قتلة عثمان. فانطلق خليفة المسلمين الإمام علي بن أبي طالب من الكوفة في العراق يريد أهل الشام الذين امتنعوا عن مبايعته، حيث كان معاوية يرى أن تسليمه قتلة عثمان لأنه وليه يجب أن يتم قبل مبايعته لعلي، أما علي فكان يرى أن مبايعة معاوية (وكان آنذاك والياً على الشام) يجب أن تتم أولاّ، ثم ينظر في شأن قتلة عثمان بحسب المصلحة والقدرة.

كان معاوية جاداً في مطاردة قتلة عثمان، فقد استطاع أن يترصد بجماعة ممن غزوا المدينة من المصريين أثناء عودتهم وقتلهم، ومنهم أبو عمرو بن بديل الخزاعي، و كانت له فرقة تطالب بدم عثمان في مصر، وقد استطاعت هذه الفرقة من الإيقاع برؤوس مدبري ومخططي غزو المدينة من المصريين، مثل عبد الرحمن بن عديسي، وكنانة بن بشر، ومحمد بن حذيفة.

وصل جيش الخليفة علي (رضي الله عنه) إلى منطقة تُسمّى (صفين)، ووصلت الأخبار إلى معاوية فخرج إليه بنفسه على رأس الجيش.

كان تعداد جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه مائة وعشرين ألفًا، وخرج مع معاوية من أهل الشام وحدهم تسعين ألفًا، وهي أرقام ضخمة لم تصل إليها جيوش المسلمين من قبل، فقد كان تعداد المسلمين في اليرموك ستة وثلاثين ألفًا، وفي القادسية ثمانية وثلاثين ألفًا، بينما هم اليوم في صفين مائتان وعشرة آلاف، وكلهم من المسلمين.

ارسل علي (رضي الله عنه) الرسل لمعاوية يأمره فيها بالبيعة والطاعة, فلما دخلوا على معاوية، بدأ بشير بن عمرو الأنصاري، فقال: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك، ومجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله ألا تفرّق جماعة هذه الأمة، وألا تسفك دماءها بينها.
فقال له معاوية: هلاّ أوصيت بذلك صاحبكم – يعني عليًّا رضى الله عنه.
فقال له: إن صاحبي أحق هذه البرية بهذا الأمر؛ لفضله، ودينه، وسابقته، وقرابته، وإنه يدعوك إلى مبايعته، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في آخرتك.
فقال معاوية: ويُتْرَك دم عثمان، لا والله لا أفعل ذلك أبدًا.
فالقضية عند كل من الطرفين واضحة تمامًا، ولا يرى أي خطأ فيما يراه، ويقاتل كل منهما على رأيه حتى النهاية.

تقاتل الفريقين في اليوم الأول والثاني والثالث ؛حتى اليوم الثامن وكانت القتال متكافئ, وقتلت جماعة كبيرة من المسلمين.

وفي أحد الأيام يخرج عمار بن ياسر (رضي الله عنه) إلى المعركة وهو إبن التسعين عاما, وكان في فريق الخليفة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه), ويُقتل عمار (رضي الله عنه), فكان لهذا الأمر الأثر الشديد على كلا الطرفين وحدثت هزة شديدة في الفريقين، وزادت حميّة جيش علي بن أبي طالب رضى الله عنه بشدة، وزاد حماسهم، وذلك لأنهم تأكدوا أنهم على الحق، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ”, وتيقن الناس أنهم على الحق البيّن، وأنهم الجماعة.

عادت الحرب، وكان اندفاع أهل العراق بحماس وروح عالية حتى أزالوا أهل الشام عن أماكنهم، وقاتل أمير المؤمنين علي قتالاً شديدًا وبايع على الموت, وتقاتل الفريقين حتى تكسرت الرماح، ونفدت السهام، وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما ليهمر على الآخر، ويهمر عليه، ثم يقومون فيقتتلان

خشي عدد من عقلاء الطرفين من استمرار القتال حتى لا يهلك المسلمون، فيستغل الأعداء ذلك، ويستأصلوا الإسلام، فلا تقوم له بعد ذلك قَوْمة، وكان عقلاء الكوفة أسبق إلى الموادعة؛ فهذا الأشعث بن قيس الكندي لمَّا اشتد القتال يخطب في قومه أهل الكوفة في المساء خطبته التي قادت للصلح؛ فيقول:
“قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قَطُّ.
ألا فليبلغ الشاهد الغائب، أنَّا إنْ نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات.أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحتف، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا.”

فلما وصل الخبر معاوية بخطبة الأشعث فقال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنَّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنُّهى؛ اربطوا المصاحف على أطراف القَنَا.

قال صعصعة: فثار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، مَن لذرارينا إن قتلتمونا، ومن لذراريكم إن قتلناكم؟ اللهَ الله في البقية.

فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم … وأتفق الطرفان على قبول التحكيم

قُتل من الطرفين خلال المعركة سبعون ألفا، من أصحاب معاوية بن أبي سفيان قتل خمسة وأربعون ألفاً، ومن أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خمسة وعشرون ألفاً, وهو ما لم يحدث في تاريخ معارك المسلمين من قبل, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لما خرج أهل العراق وأهل الشام إلى صفين وكان الأمر لأهل العراق رفع أهل الشام المصاحف ودعوا إلى الصلح، فاتفقوا على أن تجعل كل طائفة منهما جماعة يحكمان بين الفريقين بالحق، يمثل عليا رضي الله عنه أبي موسى (رضي الله عنه) ومعه أربعمائة من خيرة أصحابه وكذلك كان يمثل معاوية أربمائة من أصحابه على رأسهم عمرو بن العاص (رضي الله عنه), وكذلك جمع كبير من الصحابة الذين إعتزلوا الفتنة من أولها.

وإشتهرت إحدى القصص الباطلة في هذا الامر وهو أن الفريقين اتفقا على خلع علي ومعاوية من الخلافة, فخلع أبوموسى عليا, وقام عمرو بخلع علي وتثبيت معاوية, وهذه القصة باطلة, فبعيداعن أن القصة لم تصح سندا, وان الخلاف لم يكن حول خلافة علي أو معاوية, فالأمر لم يكن عبثا كعبث الأطفال حتى يقبل الناس الأمر لمجرد قول عمرو ذلك, ولم يكن أبوموسى الأشعري مغفلا, ثم أن معاوية لم يكن خليفة من الأساس ولم يطالب بخلافة حتى يثبته عمرو ويخلع عليا … ثم أن فريق معاوية وعمرو كان الفريق شبه الخاسر في المعركة ولم يبقى في جيشه إلا بضعة آلاف لو أراد فريق على رضي الله عنه الإستمرار في الحرب لأفناهم.

والحق هو أن الفريقين أتفقا أن يوقف القتال ويعود كل فريق من حيث أتى, فيبقى عليٌّ في الكوفة وهو خليفة المسلمين, وأن يبقى معاوية في الشام أميراً عليها.
على أن يتباحث الحكمان في إيجاد حل للقضية الشائكة التي اشتعلت الحرب بسببها , وهو ما انفض عنه المتحاكمين دون التوصل إلى حل.

عندما وافق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) على التحكيم رفضت حينها جماعة من جيشه التحكيم وكان عددهم يبلغ إثنا عشر ألفًا بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي وقالوا أنه: لا حكم إلا حكم الله, ولا يجوز تحكيم الرجال في دين الله. وكان فيهم الكثير من قتلة عثمان (رضي الله عنه).

وفي طريق عودة جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الكوفة في الطريق اصبح هؤلاء الخوارج جماعة مستقلة, فلما وصلوا إلى الكوفة انحاز الخوارج إلى قرية يقال لها حروراء قريبة من الكوفة وكانوا اثني عشر ألفًا.

أراد ابن عباس (رضي الله عنه) أن يخرج لمعسكر الخوارج ليدعوهم للحق والعودة إلى الصواب فخشي عليه علي بن أبي طالب ولكنه طمأنه ثم دخل ابن عباس معسكرهم ودار بينهم حوار طويل ظهرت فيه مقدرة ابن عباس الإقناعية وفقهه وعلمه الجمّ حتى استطاع أن يرجع للكوفة ومعه قرابة الستة آلاف من الخوارج التائبين.

بعدها بدأ الخوارج بسفك الدماء المحرمة والإفساد في الأرض, فعزم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) على قتالهم…

لم يرض طائفة من جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمسألة التحكيم، وكان أول من تكلم في المسألة «عروة بن أدية» من بني تميم فقال: «تحكمون في أمر الله الرجال! لا حكم إلا لله» ثم رفض العودة مع الجيش هو ومجموعة ممن على شاكلته إلى الكوفة، وانحازوا إلى قرية يقال لها «حروراء»، وذلك بعد أن دخلوا الكوفة ثم خرجوا منها مرة أخرى وعسكروا بحروراء.

اتفق علي بن أبي طالب مع قادته على ألا يبدءوا الخوارج بالقتال ما لميبدءوا هم، ودخل ابن عباس إلى معسكر الخوارج وحاول إقناعهم ببطلان ما هم عليه، ونجح في إقناع عدة آلاف منهم ولكن بقي منهم على ضلالهم حوالي ستة آلاف، وظل الخوارج ساكنين لا يظهرون عداوة ولا قتالاً حتى وصلت إليهم أخبار استعداد علي وأهل العراق للخروج لقتال معاوية وأهل الشام مرة أخرى

أخذ الخوارج في التحرك في المنطقة بحرية، ثم وقعت حادثة أدت لمعركة النهروان، وهي قيامهم بقتل الصحابي عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته الحامل وثلاثة نساء آخرين من قبيلة طيء.

ولما علم علي بن أبي طالب بالخبر قرر البدء بهذه الفئة الضالة الباغية، فخرج أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه) ووصل إلى النهروان، وقبل أن يندلع القتال طلب منهم علي تسليم قتلة عبد الله بن خباب، فقالوا له: ‘كلنا قتله، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم، وحاول قيس بن سعد وغيره وعظهم وإعادتهم للصواب، ولما أيس علي من عودتهم للحق والصواب دعا الله عز وجل قائلاً: ‘والله لا يقتل منا عشرة، ولا يسلم منهم عشرة’. وكان علي رضي الله عنه حريصًا على عدم سفك الدماء، فأعطى أبا أيوب الأنصاري راية، ونادى في الخوارج: ‘أنه من جاء تحت هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف من القتال ودخل الكوفة فهو آمن’، فانصرفت مجموعة من الخوارج، وبقي قائدهم عبد الله بن وهب الراسبي مع ألف وثمانمائة من الخوارج

وفي شهر شعبان سنة 38هـ دار القتال بين الطرفين وانهزم فيه الخوارج بشدة، ولم ينج منهم إلا بضعة أشخاص هربوا وتفرقوا في الأرض.

وبعدها بفترة قصيرة أرسل بعض هؤلاء الخوارج الفارون ثلاثة من القتلة لقتل كل من علي (رضي الله عنه) ومعاوية ابن أبي سفيان وعمرو ابن العاص (رضي الله عنه)….

بعد هزيمة الخوارج وتفرقهم وتشتت من بقى منهم في معركة النهروان، إجتمع ثلاثة منهم وهم عبدالرحمن بن ملجم والبرك بن عبدالله التميمي و عمرو بن بكر التميمي ، وتعاهدوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، على أن يتولى ابن ملجم قتل علي )رضي الله عنه(

روى الإمام أحمد بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ الْخَوَارِجِ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَعْدُ بْنُ بَعْجَةَ، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ.
فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلْ مَقْتُولٌ ضَرْبَةٌ عَلَى هَذَا تَخْضِبُ هَذِهِ -يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ- عَهْدٌ مَعْهُودٌ، وَقَضَاءٌ مَقْضِيٌّ، وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى.

وعن عثمان بن صهيب، عن أبيه، قال علي: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟”
قلت: عاقر الناقة.
قال: “صَدَقْتَ، فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟”
قلت: لا علم لي.
قال: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى يَافُوخِهِ.
وكان يقول: وددت لو أنه قد انبعث أشقاكم، فخضب هذه من هذه، يعني لحيته من دم رأسه.
الله عنه

انتظر عبد الرحمن بن ملجم في فجر اليوم الموعود حتى خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بيته لصلاة الفجر، وأخذ يمرّ على الناس يوقظهم للصلاة، وكان لا يصطحب معه حراسًا، حتى اقترب من المسجد فضربه شبيب بن نجدة ضربة وقع منها على الأرض، لكنه لم يمت منها، فأمسك به ابن ملجم، وضربه بالسيف المسموم على رأسه، فسالت الدماء على لحيته، كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم مشهد قتله قبل ذلك.

ولما فعل ذلك عبد الرحمن بن ملجم قال: يا علي الحكم ليس لك ولا حكم إلا لله.
وأخذ يتلو قول الله تعالى: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ{]البقرة: 207[.
ونادي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عليكم به، فأمسكوا بعبد الرحمن بن ملجم، وفر شبيب في البلاد.

وقدم علي رضي الله عنه جعدة بن هبيرة رضي الله عنه ليصلّى بالناس صلاة الفجر، وحمله الناس إلى بيته، وعلم رضي الله عنه أن هذا السيف مسموم، وأنه ميّت لا محالة، وخاصّة أن هذه الضرية وقعت كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستدعى عبد الرحمن بن ملجم، وكان مكتوف الأيدي

فقال له علي رضي الله عنه: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟
قال: بلى.
قال: فما حملك على هذا؟
قال: شحذته -أي السيف- أربعين صباحًا، وسألت الله أن يُقتل به شر خلقه.
فقال له علي: والله ما أراك إلا مقتولًا، وقد استجاب الله لك.

ثم قال علي رضي الله عنه: إن مت فاقتلوه، وإن عشت فأنا أعلم ماذا أفعل به.

فقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إن متَّ نبايع الحسن؟
فقال رضي الله عنه: لا آمركم ولا أنهاكم.

ولما احتضر رضي الله عنه جعل يكثر من قول لا إله إلا الله حتى تكون آخر كلامه، ثم أوصى الحسن والحسين بوصيته وكتباها:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون }قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ{]الأنعام: 162, 163[

أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: “إِنَّ صَلَاحَ ذَاتَ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ”.

انظروا إلى ذوي أرحامكم، فصِلُوا؛ ليهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تعفو أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم، والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: “أُوصِيكُمْ بِالضَّعِيفَيْنِ نِسَائِكُمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ”.

الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيولي الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر، والتقاطع، والتفرق، وتعاونوا على البر، والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام، ورحمة الله.

ثم لم ينطق رضي الله عنه بعد ذلك إلا بلا إله إلا الله حتى كانت آخر لحظة في حياته رضي الله عنه وأرضاه قرأ: }فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{]الزَّلزلة:7, 8[.

ولقي ربه شهيدًا رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزوج ابنة رسول الله صلى اله عليه وسلم، وابن عمه، وغسّله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وصلّى عليه ابنه الحسن رضي الله عنه، ثم جاءوا بعبد الرحمن بن ملجم وأقاموا عليه الحدّ فقتلوه بسيفه.

بعد إستشهاد امير المؤمنين علي بن ابي طالب(رضي الله عنه) بايع الناس إبنه الحسن (رضي الله عنه) خليفة للمسلمين وأميرا للمؤمنين، وكان على (رضي الله عنه) قد اعد جيشا قبل وفاته لقتال معاوية مرة أخرى وذلك بعد إنفضاض مجلس التحكيم بينهما دون الإتفاق على شئ

فلما قتل علي (رضي الله عنه) كان معاوية قد خرج بالفعل بجيشه لمقابلة جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه), فلما بلغ الحسن (رضي الله عنه) مسير معاوية فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا عليًا , وسار بالجيوش قاصدا بلاد الشام ، ثم حصل في الجيش فتنة واختلاف وتفرق ، فلما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه عليه مقتهم ، وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصلح بينهما وحقن دماء المسلمين

فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة ، وتم الصلح ، وبايع لمعاوية بالخلافة ، وتنازل له عنها ، وكان ذلك سنة أربعين من الهجرة ، ولهذا يقال له عام الجماعة ؛ لاجتماع كلمة المسلمين فيه, لتتحقق نبؤة رسول الله بالحسن (رضي الله عنه) وهي الإصلاح بين المسلمين.

روى البخاري (2704) عن أبي بَكْرَةَ قال : ” رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ : ( إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) .

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان :
صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين ، على أن يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله ، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين ، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا ، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين ، وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى ، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا ، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه ، وأن لا يبتغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سرا ولا جهرا ، ولا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق .
أشهد عليه فلان ، وفلان بن فلان ، وكفى بالله شهيدا
“الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة” (2 /399) .

بعد إستشهاد الحسن (رضي الله عنه) مسموما وعندما إقترب أجل معاوية قام بإيثار إبنه يزيد بولاية العهد, مخلا بعهده مع الحسن رضي الله عنه,وقد برر البعض ذلك بانه كان خوفاً من افتراق الكلمة, وأن معاوية فعل ذلك لأنه كان يتوجس من الفتن والمجازر, إلا أن قراره هذا قد خلق بالفعل حالة من الإنقسام والفتنة الجديدة .. فقد رفض العديد من الناس بيعة يزيد وعلى رأسهم الحسين (رضي الله عنه) وعبدالله بن الزبير (رضي الله عنه)

بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية وذلك سنة 60هـ فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة ، وبلغت الكتب التي وصلت إلى الحسين أكثر من خمسمائة كتاب.

عند ذلك أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليتقصى الأمور ويتعرف على حقيقة البيعة وجليتها، فلما وصل مسلم إلى الكوفة تيقن أن الناس يريدون الحسين ، فبايعه الناس على بيعة الحسين وذلك في دار هانئ بن عروة ، ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية في الشام أرسل إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة ليعالج هذه القضية ، ويمنع أهل الكوفة من الخروج عليه مع الحسين ، فدخل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة ، وأخذ يتحرى الأمر ويسأل حتى علم أن دار هانئ بن عروة هي مقر مسلم بن عقيل وفيها تتم المبايعة .

فخرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد وحاصر قصره بأربعة آلاف من مؤيديه ، وذلك في الظهيرة . فقام فيهم عبيد الله بن زياد وخوفهم بجيش الشام ورغبهم ورهبهم فصاروا ينصرفون عنه حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً فقط . وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده ليس معه أحد.

فقبض عليه وأمر عبيد الله بن زياد بقتله فطلب منه مسلم أن يرسل رسالة إلى الحسين فأذن له عبيد الله ،وهذا نص رسالته : ارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي.

ثم أمر عبيد الله بقتل مسلم بن عقيل وذلك في يوم عرفة ، وكان مسلم بن عقيل قبل ذلك قد أرسل إلى الحسين أن اقدم ، فخرج الحسين من مكة يوم التروية وحاول منعه كثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم. لكنه (رضي الله عنه) أبى قائلا: “إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي”

وجاء الحسين خبر مسلم بن عقيل عن طريق الذي أرسله مسلم، فجمع أنصاره ومن أنضم إليه في طريقه من العرب فخطب فيهم وأبلغهم بما جرى لمسلم وقال لهم: لقد خذلنا أنصارنا فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام . فتفرقوا يمنياً وشمالاً ولم يبق معه إلا أهله واصحابه المخلصون الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممن أنضموا إليه في الطريق.

فانطلق الحسين يسير نحو الكوفة، فلقيته الخيول بكربلاء بقيادة عمرو بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن تميم فعرض عليهم أحد أمرين: ((إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه)) .. فقالوا: لا، إلا على حكم عبيد الله بن زياد.

وكان عدد الذين مع الحسين اثنين وسبعين فارسا، وجيش الكوفة خمسة آلاف، ولـما تواقف الفريقان قال الحسين لجيش ابن زياد: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي؟ وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي: « هذان سيدا شباب أهل الجنة »..

وصار يحثهم على ترك أمر عبيد الله بن زياد والانضمام إليه فانضم للحسين منهم ثلاثون، فيهم الحر بن يزيد التميمي الذي كان قائد مقدمة جيش عبيد الله بن زياد.فقيل للحر بن يزيد: أنت جئت معنا أمير الـمقدمة والآن تذهب إلى الحسين؟! فقال: ويحكم والله إني أخير نفسي بين الـجنة والنار، والله لا أختار على الجنة ولو قطعت وأحرقت..

بعد ذلك صلى الحسين الظهر والعصر من يوم الخميس، صلى بالفريقين بجيش عبيد الله بن زياد وبالذين معه، وكان قال لهم: منكم إمام ومنا إمام. قالوا: لا، بل نصلي خلفك، فصلوا خلف الحسين الظهر والعصر، فلـما قرب وقت الـمغرب تقدموا بخيولهم نحو الحسين وكان الحسين محتبيا بسيفه فلـما رآهم وكان قد نام قليلا قال: ما هذا؟! قالوا: إنهم تقدموا فقال: اذهبوا إليهم فكلموهم وقولوا لهم ماذا يريدون؟

فذهب عشرون فارسا منهم العباس بن علي بن أبي طالب أخو الحسين فكلموهم وسألوهم، قالوا: إما أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وإما أن يقاتل.

قالوا: حتى نخبر أبا عبد الله، فرجعوا إلى الحسين رضي الله عنه وأخبروه، فقال: قولوا لهم: أمهلونا هذه الليلة وغدا نخبركم حتى أصلي لربي فإني أحب أن أصلي لربي تبارك وتعالى، فبات ليلته تلك يصلي لله تبارك وتعالى ويستغفره ويدعو الله تبارك وتعالى هو ومن معه رضي الله عنهم أجمعين.

في صباح يوم الجمعة شب القتال بين الفريقين لـما رفض الحسين أن يستأسر لعبيد الله بن زياد، وكانت الكفتان غير متكافئتين، فرأى أصحاب الحسين أنهم لا طاقة لهم بهذا الجيش، فصار همهم الوحيد الـموت بين يدي الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأصبحوا يموتون بين يدي الحسين رضي الله عنه الواحد تلو الآخر حتى فنوا جميعا ولم يبق منهم أحد إلا الحسين بن علي رضي الله عنه. وولده علي بن الحسين كان مريضا.

وبقي الحسين بعد ذلك نهارا طويلا، لا يقدم عليه أحد حتى يرجع لا يريد أن يبتلى بقتله رضي الله عنه، واستمر هذا الأمر حتى جاء شمر بن ذي الجوشن فصاح بالناس ويحكم ثكلتكم أمهاتكم أحيطوا به واقتلوه، فجاءوا وحاصرواالحسين بن علي فصار يجول بينهم بالسيف كالاسد الهصور رضي الله عنه فقتل منهم من قتل ، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة.

وصاح بهم شمر: ويحكم ماذا تنتظرون؟! أقدموا. فتقدموا إلى الحسين فقتلوه رضي الله عنه، والذي باشر قتل الحسين سنان بن أنس النخعي، وحز رأسه رضي الله عنه وقيل: شمر

وكان ممن قتل مع الحسين في كربلاء:
من أولاد علي بن أبي طالب : أبو بكر – محمد – عثمان – جعفر – العباس.
من أولاد الحسين : أبو بكر – عمر – عثمان – علي الأكبر – عبد الله.
من أولاد الحسن : أبو بكر – عمر – عبد الله – القاسم.
من أولاد عقيل : جعفر – عبد الله – عبد الرحمن – عبد الله بن مسلم بن عقيل.
من أولاد عبد الله بن جعفر : عون – محمد
وأضف إليهم الحسين ومسلم بن عقيل (رضي الله عنهم أجمعين)

فلعنة الله والملائكة والناس اجمعين على كل من خان الحسين, وكل من خذل الحسين, وكل من شارك في قتل الحسين, وكل من امر بقتل الحسين, وكل من رضي بقتل الحسين واصحابه وآل بيت النبي (عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام).

بعد إستشهاد الحسين (رضي الله عنه) ورفض عبدالله بن الزبير (رضي الله عنه) مبايعة يزيد بن معاوية، وتحصنه في مكة، أرسل يزيد جيشا لإرغامه على البيعة بقيادة مسلم بن عقبة، الذي مات في الطريق إلى مكة، فتولى بدلا منه “الحصين بن نمير، وحاصر ابن الزبير أربعة وستين يومًا، دارت خلالها بعض المناوشات بينهم وبين أنصار عبدالله بن الزبير (رضي الله عنه) ، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بهلاك يزيد بن معاوية فساد الاضطرابفي صفوف جيش يزيد

بايع أهل دمشق لولده معاوية بن يزيد وكان يومها شابًا في العشرين من عمره، غير أن معاوية هذا كان زاهدًا في الأمر، فتنازل عن الأمر بعد عشرين يومًا وقيل ثلاثة أشهر من مبايعته، دون أن يستخلف أحدًا، ومات بعدها بأيام

في مكة توقف القتال بين الفريقين، وعرض (الحصين بن نمير) على ابن الزبير أن يبايعه قائلاً له: “إن يك هذا الرجل قد هلك (أي يزيد)، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، هلُمَّ فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام؛ فإن الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان”. إلا أن عبدالله بن الزبير رفض قبول بيعته.

بويع لعبدالله بن الزبير (رضي الله عنه) بالخلافة, فإن المسلمون لم يجدوا خيرًا منه لتولي هذا المنصب الجليل وجائته البيعة من الحجاز، و اليمن، و العراق وخراسان وإلى أقصى ديار الإسلام شرقا، وفي مصر وما يتبعها من ديار الإسلام غربا، وبايعت الشام أيضًا إلا بعض جهات منها حيث كان يتحصن بنو أمية.

في العراق, تواصل فئة من أهل العراق يُريدون الثأر للحسين ندمًا على ما كان من أهل العراق من تقاعس عن نصرته, فاجتمع منهم جيش في ربيع الأول سنة 65هـ، وساروا إلى قبر الحسين ليبكوه ويترحموا عليه، وساروا إلى الشام في حملة بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي عُرفت بجيش التوّابين لقتال عبيد الله بن زياد الذي أمر بقتل الحسين، فالتقوا جيشًا أمويًا في عين الوردة، وانهزم التوابون هزيمة ساحقة لقلة عددهم، وقُتل عدد من قادتهم وتمكن رفاعة بن شداد البُجليّ من الانسحاب بمن بقي منهم إلى الكوفة.

في تلك الأثناء، لمع نجم المختار بن أبي عبيد الثقفي أحد سادة ثقيف الذي حاول استثمار الظروف المضطربة التي تمر بها دولة الخلافة، فحاول الاتصال بعبد الله بن الزبير والانضمام إليه على أن يستشيره في أموره ويستعين به في قضاء أعماله، وهو ما لم يستسغه ابن الزبير فانصرف المختار إلى الكوفة، وطالب بدم الحسين زاعمًا أنه مُفوّض بذلك من قبل ابن الحنفية محمد بن علي بن ابي طالب (أخو الحسين من ابيه), وهو ما نفاه ابن الحنفية نفسه. قويت شوكة المختار بانضمام إبراهيم بن الأشتر النخعي إلى جواره، فثار على عبد الله بن مطيع والي ابن الزبير على الكوفة، وأخرجه منها. بعدئذ، تتبع المختار من كان من قتلة الحسين في الكوفة فقتلهم، ثم أرسل في محرم سنة 67 هـ جيشًا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، فالتقيا عند نهر الخازر قرب الموصل، وهزم جيش ابن الأشتر جيش ابن زياد، وقُتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير في تلك المعركة، فتعاظم أمر المختار وأعدّ للسير إلى البصرة. كان مصعب بن الزبير واليًا لأخيه على البصرة، وحين نما إلى علمه عزم المختار على قتاله، بادر بالخروج إليه وحاصره بالكوفة حتى تمكن من المختار وقتله.

ثم أقام مصعب بن الزبير أخو أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير (رضي الله عنهما) بالكوفة لضبطها وإعادة النظام إليها بعد أن عمتها الفوضى والتمرد إثر الحركات المختلفة
وفي سنة 72هـ قرر عبد الملك بن مروان الذي أستقر عليه أمر بنو أمية, أن يسير بجيش هائل قاصداً العراق لحرب مصعب والي امير المؤمنين عبدالله بن الزبير (رضي الله عنهما)، فبلغ مصعباً مسيرُ عبد الملك، فأراد الخروج للقائه وطلب من أهل البصرة النهوض معه لقتال جيش بن مروان فأبى عليه أهل البصرة وتباطؤوا فخرج مصعب بن الزبير في جماعة قليلة لصد بغي عبدالملك بن مروان

ولمّا التقى الجيشان وجعل مصعب بن الزبير ينهض أصحاب الرايات ، ويحث الشجعان والأبطال أن يتقدموا إلى الأمام , ولكنهم خذلوه، وما بقي معه إلا إبراهيم بن الأشتر وقلة قليلة، قتل منهم من قُتل، وانصرف الباقي فارين، فأتى محمد بن مروان إلى مصعب يعطيه الأمان، فرفض وقال: «إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالباً أو مغلوباً» وكان ساعتها معه سبعة أشخاص هو ثامنهم.
وقال : “لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع من إلقائه يده ، ومن الذلة لعبيد الله بن زياد ، وجعل ينشد ويقول مسليا نفسه :
“وإن الألى (آل البيت) بالطف (معركة كربلاء) من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا”

وأستل سيفه وهجم على جيش بن مروان. ومازال يقاتل فيهم وحده كالليث الهصور والأسد الجسور حتى رماه زائدة بن قدامة الثقفي برمح قصير فقتله واحتزّ رأسه
وقيل أن عبد الملك بن مروان كان يحب مصعبا حبا شديدا ، وكان خليلا له قبل الخلافة, ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك فبكى وقال : والله ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا ، ولكن الملك عقيم

فقال الرجل الذي جاء برأسه : والله يا “أمير المؤمنين” لو رأيته والرمح في يده تارة ، والسيف تارة ; يفري بهذا ، ويطعن بهذا ، لرأيت رجلا يملأ القلب والعين شجاعة وإقداما ، ولكنه لما تفرقت رجاله ، وكثر من قصده وبقي وحده ما زال ينشد :
وإني على المكروه عند حضوره أكذب نفسي والجفون له تغضي
وما ذاك من ذل ولكن حفيظة أذب بها عند المكارم عن عرضي
وإني لأهل الشر بالشر مرصد وإني لذي سلم أذل من الأرض
وقد قتل معه أولاده عيسى الأكبر وعكاشة وجعفر وحمزة وسعد وغيرهم

بُويَع لعبد الله بن الزبير بالخلافة سنة أربع وستين ، عقب موت يزيد بن معاوية ، وظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين مُتَّخِذا من مكة المكرمة عاصمة خلافته ، باسطا حكمه على الحجاز و اليمن والبصرة و الكوفة وخُرسان والشام كلها عدا دمشق بعد أن بايعه أهل هذه الأمصار جميعا ، ولكن الأمويين لا يقرُّ قرارهم ولا يهدأ بالهم ، فيشنون عليه حروبا موصولة ، حتى جاء عهد عبد الملك بن مروان حين ندب لمهاجمة عبد الله في مكة واحدا من أشقى بني آدم وأكثرهم قسوة وإجراما ، ذلكم هو الحجاج الثقفي الذي قال عنه الإمام العادل عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كل أمَّة بخطاياها ، وجئنا نحن بالحجّاج وحده ، لرجحناهم جميعا

ذهب الحجّاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكة عاصمة ابن الزبير ، وحاصرها وأهلها قُرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام ، كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير وحيداً بلا جيش ولا أعوان ، وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون ، ووجد عبد الله نفسه وحيدا ، وعلى الرغم من أن فُرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مُهَيّأة له ، فقد قرر أن يحمل مسئوليته الى النهاية وراح يقاتل جيش الحجّاج في شجاعة أسطورية وهو يومئذ في السبعين من عمره

لقد كان وضوح عبد الله -رضي الله عنه- مع نفسه وصدقه مع عقيدته ومبادئه ملازما له في أشد ساعات المحنة مع الحجّاج ، فهاهو يسمع فرقة من الأحباش ، وكانوا من أمهر الرماة والمقاتلين في جيش ابن الزبير ، يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان بحديث لا ورع فيه ولا إنصاف ، فعنَّفَهم وقال لهم : والله ما أحبُّ أن أستظهر على عَدوي بمن يُبغض عثمان .. ثم صرفهم ابن الزبير عنه ، ولم يبالي أن يخسر مائتين من أكفأ الرماة عنده

وفي الساعات الأخيرة من حياة عبد الله -رضي الله عنه- جرى هذا الحوار بينه وبين أمه ( أسماء بنت أبي بكر ) فقد ذهب إليها ووضع أمامها الصورة الدقيقة لموقفه ومصيره الذي ينتظره فقال لها: يا أمّه ، خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ، فلم يبقَ معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك؟

فقالت له أمه: يا بني أنت أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق ، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله ، ولا تمكّن من رقبتك غِلمَان بني أمية ، وإن كنت تعلم أنك أردت الدنيا فلبِئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قُتِلَ معك

قال عبد الله : هذا والله رأيي ، والذي قمت ُ به داعياً يومي هذا ، ما ركنتُ إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله ، ولكنّي أحببتُ أن أعلمُ رأيك ، فتزيدينني قوّة وبصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أمّه فإنّي مقتول من يومي هذا ، لا يشتدّ جزعُكِ عليّ سلّمي لأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عمل بفاحشة ، ولم يَجُرْ في حكم ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني عن عمالي فريضته بل أنكرته ، ولم يكن شيء آثر عندي من رضى ربّي, اللهم ! إني لا أقول هذا تزكية منّي لنفسي ، أنت أعلم بي ، ولكنّي أقوله تعزية لأمّي لتسلو به عني

قالت أمه أسماء : إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن سبَقْتَني الى الله أو سَبقْتُك ، اللهم ارحم طول قيامه في الليل ، وظمأه في الهواجر ، وبِرّه بأبيه وبي ، اللهم إني أسلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثِبْني في عبد الله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين، وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته.

وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافيء ، تلقّى الشهيد امير المؤمنين عبدالله بن الزبير ضربة الموت ، وكان ذلك في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وأبى الحجّاج إلا أن يصلب الجثمان الهامد تشفياً وخِسة ، وقامت أمه وعمرها سبع وتسعون سنة لترى ولدها المصلوب ، وبكل قوة وقفت تجاهه لا تريم ، واقترب الحجّاج منها قائلا : يا أماه إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا ، فهل لك من حاجة ؟ فصاحت به قائلة : لست لك بأم ، إنما أنا أمُّ هذا المصلوب على الثّنِيّة ، وما بي إليكم حاجة ، ولكني أحدّثك حديثا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :يخرج من ثقيف كذّاب ومُبير، فأما الكذّاب فقد رأيناه ، وأما المُبير فلا أراه إلا أنت.

وتقدم عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- من أسماء مُعزِّيا وداعيا إياها الى الصبر، فأجابته قائلة: وماذا يمنعني من الصبر ، وقد أُهْدِيَ رأس يحيى بن زكريا إلى بَغيٍّ من بغايا بني إسرائيل

إنه عبدالله إبن الزبير، ابن حواريّ رسول الله.. وأمه أسماء بنت الصديق.. وخالته عائشة زوجة رسول الله, أول مولود للمسلمين في المدينة, الذي إرتجت لمولده المدينة بالتكبير والتهليل, وكان أول ما دخل جوفه ريق الرسول الكريم ، وحمله المسلمون وطافوا به المدينة.

أنه ذلك الفتى الصغير الذي لم يفر مع الصبيان عندما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ر) قائلا: لم أفعل ذنبآ فأخافك ، ولم تكن الطريق ضيقه فأوسعها لك . . إنه ذلك الطفل الذي في السابعة من عمره جاء ليبايع النبي (صلى الله عليه وآله) على السمع والطاعة.

إنه عبدالله بن الزبير احب الناس إلى أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) بعد رسول الله وابيها.

إن ذلك الفتي الذى بعد أن أحتجم الرسول أعطاه الدم ليهرقه بعيدا، فشربه وعاد إلى النبي, فعرف أنه شربه فمد الرسول يده ومسح بها على جبين الغلام قائلا: “ويلٌ لك من الناس ، وويلٌ للناس منك ، لا تمسّك النارُ إلا قَسَم اليمين” وهو قوله تعالى “وإن مِنكُمْ إلاّ وَارِدُهَا كانَ على ربِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً”.

وما زال جسد عبدالله بن الزبير مصلوبًا حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: «رحمة الله عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت صوّامًا قوّامًا»، ثم بعث للحجاج قائلاً: «أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟»، فأُنزل ودُفن هناك، بعد أن صلى عليه أخوه عروة، وأمه يؤمئذ حَيّة، ثم توفيت بعد ذلك بأشهر بالمدينة.

وبموت إبن الزبير )ر( إستقر الأمر نسبيا لبني مروان

اترك رد